محمد هادي معرفة

419

شبهات وردود حول القرآن الكريم

حوادث واقعة في سوالف الأيّام ، ممّا فيه العبر والاعتبار للباقين . وللقصّة أثرها المباشر في النفوس وآكد في التربية والتعليم ممّا لو كان الكلام عاريا عن شواهد وأمثال . ذلك أنّ النفوس تهفو إلى معرفة ما بين الأحداث وعللها وأسبابها من ربط . وكذا بينها وبين النتائج المترتّبة عليها من علاقة وثيقة . فلو أنّ المتكلّم أبان وجه العلل والأسباب ، وكشف عن النتائج الحاصلة بشكل مستدلّ متين ، ووضع يده على مواضع العبر منها وذوات الاعتبار ، لكان قد اقترب من غايته في تأثير النصح والإرشاد ، في أقرب طريق وأفضل أسلوب مؤثّر . قال نظام الدين النيشابوري القمي ، صاحب التفسير : الإنسان قد يذكر معنى فلا يلوح له مبلغ تأثيره ولا مدى تفهيمه كما ينبغي ، حتّى إذا شفّعه بشاهد مثال ولا سيّما قصص الماضين - فيما إذا كان بصدد الوعظ والإرشاد - فتراه كلاما ذا وقع وتأثير حسبما يراد . ذلك أنّ في الطباع محاولة المحاكاة مع المشهود من جمال أو كمال . فإذا ذكر المعنى وحده كان قد أدركه العقل ، ولكن مع منازعة الخيال ومحاولة رفضه في بادئ الأمر ، أمّا إذا شفّع بذكر شاهد من أحوال الماضين وذكرت الأسباب المؤاتية والنتائج الحاصلة منها ، رغبت النفس في لمسه في ذات ضميره ، فيكون أوقع في النفس وأقرب إلى القبول وإمكان التأثير . ومن ثمّ كان من الضروري الإكثار في القرآن من ذكر القصص والأمثال ، فإنّه الكتاب الّذي انزل تبيانا لكلّ شيء وهدى ورحمة للعالمين . « 1 » وقال الإمام الرازي - بصدد بيان فائدة ذكر قصص الأنبياء في القرآن - : إنّه سبحانه لمّا بالغ في تقرير الدلائل والبيّنات وفي الردّ على شبهات المعاندين ، شفّعها بذكر أحوال الأمم السالفة ومواضعهم من الأنبياء ، لغرض أنّ الكلام إذا طال في تقرير نوع من أنواع المعارف ، فربّما حصل نوع من الملال ، وليس إذا حصل انتقال من نوع إلى نوع ، ليزيد طراوة وينشط من رغبة السامعين . وأيضا ليكون الرسول صلّى اللّه عليه وآله والمؤمنون في تسلية عمّا يواجهوه من أذى الأعداء ،

--> ( 1 ) عن تفسير غرائب القرآن للنيشابوري ( بهامش الطبري ، ج 1 ، ص 199 - 200 ) بتصرّف وتبيين .